Menu

المسيحية القويمة

0 Comment
يوحنا 39:5-44

بيت لحم 23-6-2019

39فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. 40وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ.
41«مَجْدًا مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ، 42وَلكِنِّي قَدْ عَرَفْتُكُمْ أَنْ لَيْسَتْ لَكُمْ مَحَبَّةُ اللهِ فِي أَنْفُسِكُمْ. 43أَنَا قَدْ أَتَيْتُ بِاسْمِ أَبِي وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَنِي. إِنْ أَتَى آخَرُ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَذلِكَ تَقْبَلُونَهُ. 44كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟
من فترة وأنا أفكر في معنى الإيمان المسيحي، وما معنى أن نكون مؤمنين بالله، في مجتمع يدّعي الكل فيه الإيمان بالله الواحد – يهود ومسلمين ومسيحيين. والأصعب أن الإيمان بهذا الإله لم يسبّب الاتفاق بين الناس، بل على العكس، الاقتتال. وفي الوقت نفسه، نرى أكثر الناس تديّنًا هم أصعبهم في التعامل وأحيانًا أكثرهم ابتعادًا عن أخلاقيات أساسية في التعامل واحترام الآخر. 
آيات اليوم تعطينا مدخلاً عن فكر يسوع في تعامله مع رجال الدين. يتكلم يوحنا الفصل عن معجزة شفاء مقعد عاش على سريره لمدة 38 عام. نتوقع هنا أن يفرح الناس من أجل هذا الإنسان، ولكن رجال الدين لم يرق لهم الأمر إذ أن الشفاء حصل يوم السبت! 
فَقَالَ الْيَهُودُ لِلَّذِي شُفِيَ: «إِنَّهُ سَبْتٌ! لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَحْمِلَ سَرِيرَكَ». 
في نظرهم، أن يبقى الإنسان في سريره مقعدًا لمدة 38 عام آخر أفضل من أن يحمل سريره يوم السبت. هذه عقلية الدين، التي تضع الوصية قبل الإنسان. بنظرهم، النقاوة الطقسية أهم من كرامة الإنسان! أما يسوع، فرفع قيمة الإنسان، وأعاد له كرامته في الخلق – فالإنسان مخلوق على صورة الله ومكرّم. 
هنا ببساطة أحد الفروقات الرئيسية بين الدين والإيمان. الإيمان يضع الإنسان أولاً! فالسبت كما قال يسوع جُعل من أجل الإنسان، لا العكس. فكروا معي لو اجتهدنا في مجتمعاتنا العربية في رفع قيمة الإنسان وكرامته، بدلاً من انشغالنا بتطبيق الشريعة والدين السليم! أحبائي: الدين السليم عند المسيح هو شفاء الإنسان واسترجاع كرامته! 
احتج رجال الدين على هذه الفكرة، وجادلوا يسوع، وأجابهم في خضم الحديث: “أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ”. هذه العبارة استفزتهم أكثر وزادت من غضبهم عليه – والسبب؟ لأنهم رأوا فيها تجديفًا. فيسوع يجعل من الله أبًا له ويعادل نفسه بالله. فيقول يوحنا: “فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللهِ.” لاحظوا هنا أن فكر التديّن مستعد أن يقتل في سبيل “الدين القويم”. فالدين يصنف الناس بين مؤمن وكافر، والتصنيف يعتمد على النقاوة الدينية وتطبيق الشرائع من ناحية، وعلى قبول العقيدة الصحيحة من ناحية أخرى! وغير ذلك — فهو مرفوض وليس منا، وحتى يجب أن يُقتل!
(وما زلنا نبحث عن الحرية الدينية في بلاد المشرق) 
والآيات التي قرأناها اليوم هي ملخّص إجابة يسوع لرجال الدين على موقفهم هذا. وفيها من جديد نرى الفرق بين فكر يسوع عن الإيمان الذي أتى من أجله – الملكوت الذي أسسه على الأرض، وبين فكر العالم، نهج الدين أو التديّن. 
أولاً يقول: 39فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. 40وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ.
يذكرنا يسوع هنا أنه هو محور الإيمان الصحيح. فالكتب عنه وهي تشهد عنه! هذه كلمات مهمة جدًا، لأسباب كثيرة! 
الكتب أي العهد القديم هي عنه، وليس عن إسرائيل كما يدعي البعض اليوم! هذا فكر المسيحية الصهيونية، فهي استبدلت المسيح بشعب إسرائيل اليوم! 
الكتب أي كلام الله هي عنه، وموته عنا، وخلاصه الأبدي، ونعمة الفداء، وليس عن شرائع دينية نطبقها فنحيا! هذا هو الإيمان الكتابي! 
المسيحية والحياة الأبدية هي العلاقة الحية مع المسيح، والتمثّل بالمسيح. أن نتبعه ونتبع نهجه في الحياة، وقيمه عن الإنسان ومحبة الله والقريب. وما أكبر الفرق بين المسيح والدين! 
الغريب هنا أن المسيح يقول: “ولا تريدون أن تأتوا إليّ” – فالإنسان كثيرًا ما يفضل أن يتبع دينًا عمله هو بنفسه! القضية ليست عدم معرفة، بل عدم رغبة. نفضّل طريقنا على طريق الله؛ نفضّل الدين على الإيمان؛ الشريعة على المسيح… وللأسف، الموت على الحياة. 

يقول ثانيًا: مَجْدًا مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ… 44كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟
هنا فرق جديد وكبير بين فكر الناس، والمسيح. بين التدين والإيمان بالمسيح. مشكلة رجال الدين هنا أنهم يهتمون بمجد الناس ومديح الناس. بالنسبة لهم، أن ينظر إليهم الشعب باحترام وتقدير لأنهم “متدينون” أهم من مديح الله. هذا ما تكلّم المسيح عنه في العظة على الجبل – ألّا نصوم ونصلي ونعطي صدقة من أجل مديح الناس. 
المسيح علمنا طريقًا أفضل، وأصعب جدًا، عندما قال: “طوبى لأنقياء القلب”. فمن يقدر أن يرى نقاوة القلب سوى الله؟ ومن يميّز الدافع لأعمال الإنسان سوى الله؟ وأنقياء القلب هم الذين يخدمون بهدوء دون ان يراهم أحد.  وهكذا قال يسوع: “أبوكم الذي يرى في الخفاء يجازيكم علانية” – يرى في الخفاء: هو يرى دوافعنا، نقاوة قلبنا، أعمالنا التي لا يراها أحد، مثل الصدقة والصلاة في المخدع. الذي يطلب مديح الناس، سينال المديح من الناس، ويقول يسوع: استوفوا أجرهم.
اليوم، ما أكثر رجال الدين الذي يهتمون بجلب المديح لأنفسهم – هناك حبّ تظاهر كبير. نلفت الانتباه لأنفسنا بطريقة تدل على أننا غير مكتفين في داخلنا ربما! وهنا أميّز: أنا لا أتكلم عمن يروجون لإنجازاتهم. فيجب أن نقدر ونحتفل بإنجازاتنا. ولكن هناك من يروّج لنفسه بطريقة ملفتة لطلب المديح من أجل نفسه. وحتى عندما نحتفل بإنجازاتنا، ألا يجب أن نعطي الفضل والمجد لله في كلّ شيء؟  
في بلادنا، نعطي أنفسنا الألقاب والمسميات… وندّعي الإنجازات… ونلفت الأنظار لأنفسنا… وننسى أن المسيح نفسه قال: “مجدًا من الناس لست أقبل!” كان رجلاً ذا مهمة. وآخر اهتماماته هو مديح الناس. علمنا يا ربّ طريق المسيح. فإذا المسيح قال: “مجدًا من الناس لست أقبل” – فمال حالنا نحن؟ كيف نطلب نحن المجد؟ 
أخيرًا يقول يسوع: “42وَلكِنِّي قَدْ عَرَفْتُكُمْ أَنْ لَيْسَتْ لَكُمْ مَحَبَّةُ اللهِ فِي أَنْفُسِكُمْ.” هنا ربما أهم الفروقات بين نهج المسيح – الإيمان – وبين الدين. هل محبة الله فينا؟ وما المقصود؟
التمتع بمحبة الله لنا؛ أن ندرك أن الله يحبنا. أن الله يحبني أنا رغم عدم استحقاقي. المسيح مات عني… يا لعمق هذه المحبة. 
أن أحب الله… أن أمتع نفسي بمحبة الله. أن أفكر فيه وطبيعته. أن أتمتع بخليقته. أن أشكره على إحساناته. أن أقول باستمرار: أحبك يا ربّ. ما أعظمك يا الله.
أن أحب أخي الإنسان! من يحب الله، يحب الإنسان! الموضوع بسيط جدًا. محبّة الله ومحبة القريب أمر واحد وبذات الأهمية. المسيحي لا يحقد، ويكره… ولا يدين ويكفّر ويشيطن الإنسان! 

فروقات كثيرة بين الدين، ونهج المسيح! الإنسان أولاً… يسوع مركز إيماننا، هويته وأيضًا نهجه وما علمنا إياه، فهذا هو الإيمان – علاقتنا مع المسيح! الاهتمام بمديح الله، لا مديح الناس! وأن تكون محبة الله فينا. أعطنا يا ربّ هذه جميعها، وابعدنا عن التديّن الزائف… آمين. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.